ها هي الأيام المباركة قد انقضت، وترجل رمضان من سماء النور مودعا” تاركًا خلفه قلوبًا خاشعةً وألسنةً تلهج بالدعاء وأرواحًا أشرقت بنور الطاعة،الشوارع ازدانت بمصابيح العيد والبهجة سرت في البيوت كما يسري النور في العتمة، تعلو وجوه الناس ابتسامة الرضا وتفيض القلوب بالسكينة.
في زاوية مظلمة، حيث البرد والعفن، تكوّر الشيطان في قعر جحره يعتصره الغيظ، يتأمل حاله بأسًى، كيف انسلخت عنه أيام الشهر الكريم كأنها دهور؟! وقد كان مصفدا” بسلاسل العجز ينظر إلى الناس وهم يترفعون عن وساوسه، يزهدون في غوايته، يقيمون الليل ويذكرون الله كأنهم أغلقوا قلوبهم دونه وألقوا مفاتيحها في بحر النسيان. تأفف بغيظ، ثم تبسم بسخرية وهو يعدّل قرونه الملتوية قائلاً في نفسه:
( لأخرج في جولة… علّي أجد من لا يزال قابلاً للإغواء )
البيت الأول: العابد المتكاسل
تسلل الشيطان إلى نافذة بيت مضيء بنور الإيمان، فرأى رجلاً متكئًا على أريكته يمسك بالمصحف، تتثاقل جفونه وهو يحاول أن يتم صفحة واحدة. اقترب الشيطان هامسًا برقة خادعة:
( أما تعبت؟ الله غفور رحيم… نم الآن، وغدًا تقرأ بتركيز أكثر )
تردد الرجل قليلًا ثم قال في نفسه: ( لعلني مرهق حقًا… سأكمل لاحقًا ) ووضع المصحف جانبًا واستسلم للنوم، قهقه الشيطان ضاحكًا ثم خرج مغتبطًا باحثاً عن ضحية اخرى .
البيت الثاني: المؤمن الغاضب
في منزل آخر، وجد الشيطان رجلاً يتحدث مع زوجته بنبرة متوترة تعلو ملامحه سحابة من الغضب. اقترب منه الشيطان وهمس في أذنه بخبث:
( أما آن لك أن تثور؟ أليسوا يستغلونك؟ عبء العمل، ومتاعب الحياة، والجميع يطالبونك بالمزيد! واجههم، لا تكن ضعيفًا )
ما هي إلا لحظات حتى اشتعل الرجل كبركان هائج، صرخ في وجه زوجته وأطفاله، نطق بكلمات جارحة وألقى باللوم على كل من حوله. ضحك الشيطان في سره ثم لوّح بذيله مغادرًا وقد نال بغيته.
البيت الثالث: مؤمن متصدق
تسلل الشيطان إلى بيت آخر، فوجد صاحبه قد أخرج مبلغًا كبيرًا من المال ليتصدق به. نظر إليه بدهاء ليزرع في نفس الرجل بذرة الرياء، قائلاً:
( أليس الأجر أعظم إذا عرف الناس بكرمك؟ ثم… رمضان قد انتهى، لِمَ تعطي كل هذا المال؟ أبقِ منه لرمضان القادم، فالفقراء سينتظرون ) تردد الرجل ثم راقه الأمر فصور صدقته ونشرها وزادها تعليقًا يمدح فيه نفسه.
ابتسم الشيطان منتشيًا وهمس( هكذا تضيع الأعمال الصالحة ) ثم انطلق في طريقه.
في جولته، شعر الشيطان بلذة الانتصار، لكن فجأة توقف عند بيت آخر حيث اجتمع قوم في سكينة يذكرون الله، يصلّون بخشوع، لم تنفذ إليهم وساوسه ولم يخدعهم همسه.
اقترب متربصًا لكن قبل أن يتسلل سمع صوتًا يجلجل في المكان ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) .
صرخ متألمًا، احترق كيانُه بتلك الكلمات وأدرك أنه لا مقام له بينهم فولّى هاربًا يضرب الأرض بذنَبه غيظًا، حاول مرات أخرى لكن أينما ذهب وجد قلوبًا محصنة ونفوسًا مستعصية، فأدرك أن رمضان خلّف وراءه جنودًا لا تضعف وأرواحًا لا تهتز.
عاد إلى جحره مكسورًا، جلس في زاويته المظلمة غاضبا” حزين بعد جولته هذه وقال في نفسه بمرارة : ( ليكن… ستكون لي كرة أخرى ، سيعود الناس إلى دنياهم وحينها سأكون في ألإنتظار ، رمضان غاب وسيكون لنا لقاء يامؤمنين )
يا أيها الأحبة، لنجعل للشيطان خيبةً أبدية ولنجعل من رمضان نورًا لا ينطفئ، نحيا به ونحمله في قلوبنا طوال العام.
بوركت أيامكم، وحفظكم الله من كل سوء.





























